انضم إلينا
اغلاق
"حروب المياه".. هل أصبح الوطن العربي غير كافٍ لسكانه؟

"حروب المياه".. هل أصبح الوطن العربي غير كافٍ لسكانه؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
      

على إحدى ضفتَيْ نهر دجلة يجلس رجل سبعيني العمر ليتأمل ذلك المشهد القريب. هناك -على مسافة عدة عشرات من الأمتار- يعبر مجموعة من الشباب صغير السن النهر الواسع على أقدامهم، يلعبون بسعادة بالغة، فهي ربما المرة الأولى التي يختبرون فيها تجربة عبور النهر بهذه الطريقة، وكأنه طالما مَثَّلَ وحشا هائلا بالنسبة لهم، طالما حكت الجدة عن هذا الشخص الذي آذى آخرين فابتلعته المياه، أو عن رحلتها السنوية إلى النهر في مولد النبي زكريا حينما كانت تضع الصينية المحمَّلة بالشموع على سطحه برفق، ثم تتركها لتمضي مع المياه، محمَّلة بأمنيات ثِقال.

 

حياتنا التي لم تَعُد كذلك

قبل نحو العام من الآن، توقف(1) جريان نهر دجلة لعدة أشهر في مناطق جنوبية عديدة، إنها أولى بوادر موجة جفاف جديدة، وعلى يوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي العراقية يمكن أن تلاحظ حالة من الفزع حول هذا الأمر، يعتبره البعض غضبا من عند الله، ويُشير البعض الآخر إلى أنها إحدى علامات الساعة، بينما ينشغل فريق ثالث بالبحث عن الكنوز الغارقة في النهر، الآن دعنا نترك العراق ونسافر إلى الشمال قليلا، تحديدا فوق جبال طوروس التركية حيث ينبع نهر دجلة.

    

  

تسقط الثلوج هناك في الشتاء وتذوب في الربيع التالي لتجري في النهر، وكانت تركيا قد بدأت قبل أكثر من نصف قرن في مشروع طموح لبناء عدد كبير من السدود على الأنهار، خاصة سد "أليسو" الأخير والذي تسبّب -بحسب الحكومة العراقية- في انخفاض جذري بمنسوب مياه نهر دجلة، يُثير ذلك صراعا(2) حول مياه دجلة والفرات بين العراق وتركيا.

   

تدخل سوريا هذا الصراع كطرف ثالث يشاركهما نهر الفرات، لذلك فإن سوريا والعراق أيضا يختلفان حول توزيع مياه الفرات وروافده. إيران -على الجانب الآخر- تحوِّل بعض مجاري المياه عن العراق، ما يدفع لتعقّد المشكلة بشكل أكبر، وفي تلك الأثناء تستخدم المياه كسلاح من أجل التفاوض حول قضايا الأكراد أو داعش أو غيرها. حاليا، تُعَدُّ تلك المنطقة تمثيلا واضحا لاصطلاح "حرب المياه".

 

في الواقع، ليس الصراع على المياه شيئا جديدا في منطقتنا، فأحد عوامل(3) اندلاع حرب الأيام الستة في عام 1967 كان محاولات إسرائيل تحويل نهر الأردن إلى خط أنابيب يحمل المياه من بحيرة طبرية إلى صحراء النقب. تحصل إسرائيل على نحو ثلثي مياه نهر الأردن، بينما يحصل الأردن على خُمسها، وسوريا على 15% فقط منها على الرغم من أن مياه النهر تنبع من سوريا. الأردن الآن أحد أكثر البلاد جفافا في العالم كله، وخلال السنوات المئة القادمة يمكن أن تنخفض كميات الأمطار بمقدار قد يصل إلى الثلث، في حين يتضاعف الجفاف ثلاث مرات، وقد يُثير ذلك صراعا جديدا.

   

  

من جهة أخرى، فإن نهر النيل ليس بمعزل عن تلك المشكلات، بالطبع تشاهد حاليا ملامح الصراع(4) البارد بين مصر وإثيوبيا حول حصص كلٍّ منهما في مياه النيل، بدأت إثيوبيا مشاريعها لبناء السدود على نهر النيل قبل أكثر من نصف قرن، وبحلول العام ألفين كانت بالفعل قد بنت أكثر من مئتي سد صغير على نهر النيل، لكن السد الأخير تحديدا -والذي بدأت إثيوبيا بالفعل في بنائه- هو الأضخم على الإطلاق في قارة أفريقيا ويُهدِّد بسحب كمٍّ كبير من المياه التي تمر من إثيوبيا إلى مصر.

   

   

صراع الماء

في الواقع، إن الجدل حول مياه نهر النيل، حوارا أو صراعا، ممتد لأكثر من قرن مضى، خلال تلك الفترة كانت مصر قد حصلت على امتيازات قوية للتحكم في أي مشاريع تُهدِّد حصتها من المياه، لكن مع النمو السكاني والاقتصادي المتسارع تعاملت إثيوبيا مع ملف مياه النيل كقضية حياة أو موت، وبالنسبة لمصر فإنه أيضا قضية حياة أو موت، بالفعل قد بدأت أجواء التوتر السياسي في الظهور بين البلدين خلال السنوات القليلة الفائتة، لكن المشكلة التي تُهدِّد هذا الصراع، وبقية الصراعات حول المياه في الوطن العربي، هي أن المستقبل غير مضمون.

  

فمع ارتفاع متوسط درجات الحرارة عالميا يمكن للغلاف الجوي أن يحتفظ بالمزيد من المياه ولا يُسقطها إلى الأرض مرة أخرى، وتُشير الدراسات(5) إلى أن كل ارتفاع في متوسط درجات الحرارة بمعدل درجة واحدة يرفع قدرة الغلاف الجوي على الاحتفاظ بالمياه بنسبة 7%، ومن المتوقع أنه بحلول نهاية القرن قد تتخطى متوسطات درجات الحرارة حاجز ثلاث درجات ارتفاعا، ما يعني زيادة كبيرة في قدرة الغلاف الجوي على الاحتفاظ بالماء، وتتأثر منابع الأنهار مثل دجلة والفرات والنيل.

  

لهذه الأسباب كان حلف الناتو(6) قد أصدر قبل نحو العامين بيانا يقول إن الاحترار العالمي قد يتسبّب في اضطرابات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة أن الأمر لا يتعلّق فقط بجفاف الأنهار، بعض الدول مثل المغرب لا تحتوي على أنهار أو حتّى مياه جوفية، لكنها تعتمد على مياه الأمطار، وكانت موجة جفاف قوية قد ضربت المغرب قبل عامين لدرجة دفعت اقتصاد البلاد بالكامل للترنح، لكن المشكلة الأكبر هي أن مياه الوطن العربي من الأساس شحيحة.

       

      

بحسب اللجنة الدولية للتغيرات المناخية(7)، فإن الوطن العربي هو المنطقة الأكثر نُدرة في المياه على مستوى العالم كله، وتصل حصة الفرد الواحد من الماء العذب بالوطن العربي، في المتوسط، إلى أقل من 1000 متر مربع سنويا، مع توقعات بانخفاض قدره 40% خلال العقدين القادمين بحد أقصى، مقارنة بمتوسط عالمي يتخطى حاجز 6000 متر مربع.

  

بينما تشرب فنجان قهوة واحدا

قد تظن أنك لا تستهلك كل ذلك، فاحتياجات الفرد اليومية لا تتخطى حاجز 4 لترات بالفعل، لكن المشكلة ليست في الماء الذي تراه، بل الماء الذي لا تراه، لنفترض أنك احتسيت عبوة مياه غازية صغيرة بينما تقرأ الآن، كم تستهلك من الماء في رأيك بنهاية آخر رشفة؟ إنها 28 لترا من المياه، ليس لأنك شربت مياها مع الكولا، بل لأن تلك هي كمية المياه التي استُهلكت من أجل صناعة المكونات من سكر وكافيين وغيرها، فنجان قهوة واحد يستهلك 135 لترا من المياه، أما القميص الذي ترتديه قبل أن يصل إليك فيستهلك ألفين وخمسمئة لتر من المياه.

  

مع الاحترار العالمي فإن الأمر قد يتطوّر ليصبح احتياجنا إلى الماء أكبر من ذلك، ذلك لأن طلبات المياه، للشرب والري والمزارع الحيوانية وبقية الصناعات ترتفع مع ارتفاع الحرارة، في المقابل من ذلك فإن المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، كانت بالفعل قد استنفدت أكثر من ثلثي مخزونها من المياه الجوفية بحلول الثمانينيات من القرن الفائت، أما في الإمارات العربية المتحدة فإن منسوب المياه الجوفية ينخفض بمقدار متر واحد في السنة، في الواقع فإن كل دول الخليج العربي تواجه المشكلة نفسها.

  

وبحسب الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي(8)، والتي أصدرت دراسة اعتمدت على ثلاثة سجلات منفصلة لهطول الأمطار الشهرية خلال مئة عام فائتة، فإن هناك اتجاها ملحوظا نحو مناخ أكثر جفافا في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، في الواقع فإن موجات الجفاف الأكثر قسوة في هذا القرن كانت ضمن العقدين الماضيين في المنطقة. يؤثر ذلك بشكل قوي على الأوضاع السياسية والاجتماعية للدول، خاصة لو كانت هشة بسبب اضطرابات موجودة بالفعل.

    

  

لفهم مدى عمق الفكرة دعنا -على سبيل المثال- نتأمل ارتفاع معدلات الهجرة من المناطق الجنوبية كميسان والمثنى إلى مدينة البصرة العراقية، حاليا يعيش أكثر من 75% من سكان العراق في المدن بسبب جفاف المياه في الأنهار وانهيار الزراعة، لكن ذلك لا يُبشِّر بالخير للأسف، حيث تخلق تلك الهجرة الكثيفة للمدن عددا من المشكلات لأن المدن لم تكن مجهَّزة لكل ذلك، ارتفعت أسعار السكن وازدحمت المدن بشدة وأدّى ذلك إلى ازدياد معدلات الجريمة وتردي الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم.

  

من جهة أخرى فإن ذلك يؤثر بشكل غير مباشر على كل شيء آخر، لفهم تلك الفكرة أيضا دعنا نتأمل السعر(9) الذي اشترت به مصر القمح في العام 2018 من منطقة البحر الأسود وأوروبا، إنه أعلى سعر حصل منذ ثلاث سنوات (235.65 دولارا للطن)، وخلال العقدين الماضيين تزايدت أسعار الغلال بمعدلات كبيرة، بسبب الجفاف الذي يضرب المناطق التي تبيع الأرز، ما يُقلِّل الإنتاجية فيزيد الطلب ويرتفع السعر، ومع ارتفاع الأسعار يُرهَق الجمهور ويصبح هشا.

  

لهذه الأسباب يعتقد بعض الباحثين أن الاضطرابات التي حدثت في سوريا(10) (الثورة وما تلاها)، بداية من العام 2011 كانت ذات علاقة بالجفاف الذي سبق تلك الفترة لمدة نحو خمس سنوات، الجفاف الذي تسبّب في اضطرابات اجتماعية شديدة وانتقالات سكانية كبيرة بين أماكن عدة، ومع تردي الخدمات وهشاشة الحكومات يعطي ذلك الفرصة لنشوء التوتر الداخلي في البلاد وتطوّره إلى ما نراه اليوم، من تلك الوجهة فإن الاحترار العالمي ليس سببا في الحروب أو النزاعات الأهلية بقدر ما هو القشّة التي قصمت ظهر البعير.

   

الكوكب الأزرق حقا؟!

   

في تقرير سابق لكاتب التقرير بعنوان "خمس خرائط تقول إن العالم مقبل على كارثة" يمكن أن تلاحظ تلك المشكلة بشكل أكثر وضوحا وعلى مستويات أخرى متعددة، خاصة أنه بحسب تقرير الموارد العالمي (World Resource Institute) فإنه بحلول العام 2040 ستواجه 33 دولة في العالم، 13 منها عربية، بسبب التغيرات المناخية، مخاطر الوقوع تحت الفقر المائي الشديد، بحيث تتعرض لفارق بين إمكاناتها المائية وحاجتها إلى المياه يصل إلى 80%.

   

ويتخطى الموضوع حاجز الوطن العربي إلى مشكلة عالمية، فبحسب تقرير صادر من البنك الدولي(11) قبل عدة أشهر، فإن أكثر من 140 مليون شخص حول العالم مهدَّدون بالتحوّل إلى "مهاجري المناخ"، بسبب نقص المياه الشديد بسبب الجفاف وهشاشة المحاصيل تبعا لذلك مع ارتفاع مستوى البحر، خاصة في ثلاث مناطق أساسية وهي أفريقيا جنوب الصحراء، والهند ومحيطها، والمكسيك فما دون ذلك جنوبا، والقارة الأميركية الجنوبية بالكامل.

  

في كتابه "مدار الفوضى: تغيُّر المناخ والجغرافيا الجديدة للعنف"، يرى كريستيان بارينتي، الأكاديمي وصحفي التحقيقات الأميركي، أن سكان الدول الموجودة بين مداري السرطان والجدي، كالصومال، غينيا، ساحل العاج، أفغانستان، إلخ، وهم نحو 3 مليارات نسمة، سيتأثّرون بشدة بتلك العوامل السالف ذكرها بحيث قد يتسبّب ذلك في ظهور تطرّفات قاسية في صورة حروب أهلية وتدفقات لاجئين وانهيارات اجتماعية مدفوعة كلها بالتغيُّر المناخي.

  

تُسمى الأرض بـ "الكوكب الأزرق"، وذلك لأن كمَّ المياه على سطحها هائل، يُقارب الـ 326 مليون تريليون جالون، لكن 3% فقط من تلك النسبة يُمثِّل المياه العذبة، ثلثاها مجمَّد في الأقطاب، ومعظم البقية مُخزَّن في أماكن يصعب الوصول إليها تحت الأرض، لذلك فإن البشر يعيشون بشكل رئيسي على مياه الأنهار والبحيرات، في الحقيقة فإن 90% من سكان الأرض يعيشون على مسافة أقل من 10 كيلومترات من نهر أو بحيرة ما، إذا توترت كميات الماء في تلك المصادر، ولو بنزر يسير، فإن ذلك لا شك يعني كارثة. 

       

      

بالطبع هناك الكثير من الحلول المُمكنة، سيُطوِّر أحدهم طرقا لاستخراج المياه الجوفية بسهولة، ويتمكّن الآخر من تحلية مياه البحر بصورة أكثر فاعلية، ستُطوِّر الدول من سياساتها وقد تجد سبلا للتعاون، لكن الوقت كما يبدو ليس في صالحنا، الكثير من التغيُّر يحدث في وقت قصير، وتتزايد معدلات التصاعد في حالات الشذوذ المناخية بصورة غير مسبوقة، قد تكون توقعات بارينتي أو أيٌّ من تلك الدراسات والإحصائيات التي تحدّثنا عنها مبالغة بعض الشيء، لكن حتّى مع ذلك فإن التغيُّر سيكون جذريا، وهو قادم لا محالة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار