انضم إلينا
اغلاق
العقم عند الرجال.. لماذا يعتبرونه وصمة للذكورة وشبهة نقص تهدد الرجولة؟

العقم عند الرجال.. لماذا يعتبرونه وصمة للذكورة وشبهة نقص تهدد الرجولة؟

  • ض
  • ض

 "كذب الكذبة وصدّقها" 

(مَثَل شعبي)

   

في مساء يوم عادي من عام 2014، كانت (ت.ف) وزوجها عائدين لمنزلهما بعد زيارة لبيت العائلة. وفجأة، ودون تفكير، قامت (ت.ف) بفتح باب السيارة أثناء سيرها لتُلقي بنفسها خارجها على قارعة الطريق. توقفت السيارة، وهرع زوجها وكل مَن في الشارع للمساعدة. تقول لـ "ميدان": "عائلة زوجي اتهمتني بالجنون، أو بمرض عقلي دفعني لفعل ما فعلت، ولكني لستُ مجنونة، لقد شعرتُ بالظُّلم والقهر"، تكمل: "أمضيت من عمري عشر سنوات في خدمة ورعاية زوجي، ولم يكتب لنا الله ذرية تملأ بيتنا، رضينا بذلك رغم ضغط العائلة، وحفظتُ لزوجي عطفه عليّ ودفاعه عني لأن علة الإنجاب مني لا منه، وكنت أعلم أنه سيأتي اليوم الذي يضغطون به عليه للزواج من ثانية لكي يفرحوا بأبنائه، وهذا حقه، وربما حقهم أيضا". رغم معرفتها بأنه حق له، وقبولها بعد إسكات نواح قلبها، لم تستطع النقاش أمام العائلة، وتم إجبارها على ترتيب مراسم الزواج وتجهيز بيتها للعروس الجديدة، ففتحت باب السيارة وألقت بنفسها متمنية أن يكون آخر يوم لها في هذه الدنيا.

 

بعد هذه الحادثة، قامت بتجهيز منزلها للعروس القادمة من دولة أخرى، واختارت أن تعود لبيت أهلها شهرا كاملا مفسحة المجال والراحة لزوجها وعروسه، لتتفاجأ بعد أسبوعين بورقة الطلاق تصل إلى باب بيتها. انهارت، وبكت، وتساءلت كثيرا: "والعِشرة؟". (ت.ف) كغيرها مِمّن في الموقع نفسه يُصَبن بالإحباط، مَن سيتزوج مُطلقة لا تُنجب، مُسن يحتاج إلى الرعاية؟ أم أرمَل يحتاج إلى مُربية؟ وهذا ما حدث فعلا، تزوجت أرملا، وتفاجأت بحملها الذي كان صاعقة على مسمعها وعائلتها، لم تُصدِّق، ولكنها كانت حقيقة. أما زوجها السابق، فلم يُنجب حتى يومنا هذا، مُكتشفة خداعه وتزويره لنتائج الفحوصات، وظلمها عشر سنوات مقنعا إياها وكل مَن حولها أنه الصابر الراضي! (هـ.م) تمتلك قصة شبيهة من الصبر لثماني سنوات، صابرة على معاملة سيئة، وتحمّل كل شيء لأنها تعلم أنها لن تجد الراحة في طلاقها، فهي كالحالة السابقة، ستتساءل: "مَن سيتزوجني؟".

 

تُخبر "ميدان": "لقد وصل صبري لحدوده الأخيرة، ولم أحتمل، كنت أتعرض للإهانة والضرب، فرأيت أن الطلاق هو الحل". ولكن زوجها لم يقبل، وحبسها في المنزل، إلا أنها استطاعت الهرب. تطلّقت وتزوجت مطلقا، في حضانته ثلاثة أطفال، وتفاجأت بحملها أيضا! (ت.ف) و(هـ.م) تعيشان في سعادة، في ظل عائلتيهما، تاركتين خلفهما سنوات طويلة من الظلم والخداع، والسؤال هُنا؛ لماذا يُنظر للخصوبة على أنها رجولة؟ و"العقم" بمنزلة تُهمة يبذل بعض الرجال كل ما يحوزون من طاقة لإلصاقها بالزوجة؟

  

الرجل بطبيعته التي لا تقبل النقص، لن يقبل أن يكون في مواجهة يكون بها "الزوج الناقص" أمام زوجته، بالاعتراف بأنه لا ينجب

مواقع التواصل
    
شُبهة النقص!

{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}

[الشورى 49-50]

   

في حوار مع الباحثة في الفقه ومواد الشريعة الإسلامية الأستاذة عابدة العظم، سألناها عن سبب اعتبار "العُقم" شُبهة تُنقص من قدر رجولة الرجل، تقول لـ "ميدان": "الرجل في أصل نظرته لنفسه "كامل"، فالرجال مُعتدّون بأنفسهم لا يقبلون النقص، ولا يَرون أساسا أن بهم نقصا. فالرجولة تُرادف الكمال، ومن البديهيات في مفاهيم الرجال أنهم يتفوقون على المرأة في كل شيء. ومسألة عدم الإنجاب تُعَدُّ نقصا سواء في الرجل أو الأنثى. والرجل بطبيعته التي لا تقبل النقص، لن يقبل أن يكون في مواجهة يكون بها "الزوج الناقص" أمام زوجته، فيصعُب على بعض الرجال أن يُجروا الفحوصات في حال تأخر الإنجاب، بل إن هناك افتراضات جاهزة تُوجِّه أصابع الاتهام والنقص للزوجة على الفور، وأن هذه العلة تحديدا تبدأ من عند المرأة".

 

وتستكمل انطلاقا من الآية السابقة: فمن الخلق مَن يهب له إناثا، ومنهم مَن يهب له ذكورا، ومنهم مَن يزوّجه، أي: يجمع له ذكورا وإناثا، ومنهم مَن يجعله عقيما لا يولد له. (1) ترى الأستاذة عابدة أن الرجل يرفض أن يكون ضمن التصنيف الرابع (العقيم) لكونه "البلاء المُبين"، وبما أن له حق التعدد فهو لا يتوانى عن الزواج أكثر من مرة لرفضه الاقتناع بفكرة أنه المصاب بالعقم، تقول: "بكل جرأة يهرع بعض الرجال للزواج بثانية دون أن يتأكد ما إذا كانت العلة منه أو من زوجه، ولكن إنكاره للفكرة من الأساس يدفعه للتجربة مرة واثنتين وأكثر". وهذا بالفعل ما يتطابق مع ما حدث لـ (ت.ف)، فلم يكتفِ زوجها بتزوير الفحوصات وإقناع العائلة بأن العلة منها، بل تجرأ للزواج بثانية رغم علمه أنّ العلة منه!

   

الباحثة في الفقه ومواد الشريعة الإسلامية، الأستاذة عابدة العظم (مواقع التواصل)

    

الصبي.. امتداد القبيلة 

في مُجتمعاتنا تُمرّر الكثير من العادات والاعتقادات. فنحن نرى في بعض الثقافات التي تعتقد مثلا أن رش الماء خلف المُسافر سيحفظه ويُعيده سالما، لا أساس ولا أصل لصحة هذا الفعل، ولكنهم يفعلونه. نرى أن مجتمعاتنا أيضا، قد رفعت مكانة المولود الصبي، بل ويحزن الزوج أو أمه في حال كانت المولودة أنثى، وليس بالسر العظيم ولا بالصدمة أن نرى بعض الرجال يُعدِّدون بهدف إنجاب الصبي الذي يحمل اسمه. فكيف بالذي لا يُنجب صبيا ولا بنتا؟ هذا بالطبع أمر قاسٍ على الرجل، فمَن سيكون "سنده" و"عزوته"؟ ومَن سيُكمل عنه أعماله ويساعده ويُشاطره المسؤولية؟

 

تستكمل الأستاذة عابدة لـ "ميدان" لتستعرض أهم محور تراه في هذه القضية، تقول: "لرسم ملامح أوضح في هذه القضية علينا عدم إنكار أو تهميش جانب الجنس. الجنس في حياة الرجل وفي تفكيره له مكانة عالية (2)، ومن ضمن الأولويات والحاجات التي تدفعه أحيانا للاعتداء، فنرى أبا يعتدي على ابنته، أو أخا على أخته، ونرى أيضا الكثير من حالات الاغتصاب، فهي الحاجة التي تُفقد الرجل "عقله". فالرجل يتزوج لأهداف عديدة من ضمنها أن يسد حاجته الجنسية، فهذا ما يُسيطر على ترتيبات عقله قبل الزواج، وفي ليلة الزواج نفسها، عليه أن يُثبت مهاراته وقوته كرجل، ولإثبات رجولته يجب الحمل. فإن تَأَخَّر الحمل، وَضَع الرجل في مأزق مع رجولته. وهُنا، يزداد حنقا وعصبية، وربما عُنفا تجاه الزوجة التي لم تُساند رجولته في أسرع وقت ممكن، ليتم اتهامها كأول سبب لتأخر الحمل. إلى جانب أمر بالغ الأهمية، أن المرأة التي تتأخر في الزواج قد لا تُنجب، وهذا أمر واضح ومفهوم. أما الرجل، فإمكانية أن يُنجب تستمر حتى الثمانين من عمره، فصدمة أن يعيش كل هذا العمر بوظيفة لا بذور واضحة لها".

  

   

إضافة إلى كل ذلك، تُوضح الأستاذة عابدة أننا نتشرب موروثنا الثقافي دون أن نشعر، أو ربما نشعر، ولكنها أفكار مترسبة في العقل الباطن، وتقول: "هناك العديد ممن يعقلون أن هذه الموروثات تضر أكثر مما تنفع، ويستعد الواحد منا حينها للتخلي عنها والتمسك بما يُناسب العقل، ولكن يعود المجتمع لزَجّ الرجل في خانة حساسة. فنجد من تقول له أمه: "أتمنى أن أرى أطفالك قبل أن أموت"، والكثير من العبارات الشبيهة التي تضغط الرجل وتُرجع دفة القيادة للأفكار في العقل الباطن والتي تُثَبّت ارتباط نقص الرجولة بالعقم".

  

دوامة تُغيّب تقدير الذات..

"جميع النساء قد يلدن الذكور، ولكن المواقف وحدها من تلد الرجال"

(فيكتور هوغو)

   

في المساحة النفسية للعقم، وفي مقابلة مع الأستاذ والباحث في علم النفس الدكتور إبراهيم بوزيداني، يقول لـ "ميدان" إن مسألة العُقم التي يُعاني منها الإنسان كمسألة فسيولوجية تكون -على الدوام- مُصاحبة لمشاعر الغضب، ومشاعر الاكتئاب إذا ما فكّر أبمقارنة نفسه بغيره، ومشاعر القلق حول الرجولة أو الأنوثة، فاجتماع هذه الأمور كلها يجعله يعيش في دوامة يغيب فيها تقديره لذاته. ونتاجا لهذه الدوامة، يبدأ الشخص بالشعور بالذنب لعدم قدرته على المساهمة في بناء أسرة، وبسبب أنه يحرم طرفا آخر من مشاعر الأبوة أو الأمومة. في تخصيص هذه الدوامة النفسية، وللحديث عن جانب الرجل تحديدا، يقول د. بوزيداني إن الرجل حينها يطرح سؤالا محوريا حول رجولته، وهو ما يُعَدُّ صراعا نفسيا قاتلا أكثر مما قد تُعاني منه المرأة، ويرجع هذا إلى جملة من الوظائف السوسيولوجية المنوطة بكل فرد.

   

يُوضح د. بوزيداني أن الرجل هو الطرف المُواجه -بالأخص في المجتمعات الشرقية-، الذي يواجه الأهل، والأصدقاء، والجيران، فهو مَن يتعرّض للأسئلة المُتعلقة بـ "الولد"، وهذا ما يفتح بابَ تساؤلاته حول رجولته. لا يقف الأمر عند اتهامه برجولته (وهو ما يُعَدُّ إحساسا ذاتيا)، ولكنه يتطور لمستوى ثانٍ من الأحاسيس يصل إلى مرحلة الهرب من وصمة العار. ففي المجتمعات الشرقية، العُقم لا يُشكّك برجولة الرجل وحسب، بل يُربط بوصمة عار، ووضع العديد من علامات الاستفهام حول هذا الرجل والأسباب التي يُعاني منها والتي أوصلته لعدم القدرة على الإنجاب.

    

أصبحت الرجولة تُفسَّر بالمعنى الفسيولوجي فقط. بمعنى أن الرجولة تعني أن الرجل قادر على القيام بوظائفه كذكر، فقط. أما المعاني والأخلاق المعنوية للرجولة فقد أصبحت غائبة ومهمّشة

مواقع التواصل
  
التصور الخاطئ لمعنى الرجولة!

"إني أرى الرجال بعقلي لا بعيني"

(سنكا)

   

ينتقل الدكتور بوزيداني للحديث باستفاضة عن التصورات العديدة والخاطئة التي تتربع على عرش مفاهيم المجتمعات الشرقية، وأهمها "ربط الرجولة بالخصوبة"، ويشرح لـ "ميدان": "من جانب، أصبحت الرجولة تُفسَّر بالمعنى الفسيولوجي فقط. بمعنى أن الرجولة تعني أن الرجل قادر على القيام بوظائفه كذكر، فقط. أما المعاني والأخلاق المعنوية للرجولة فقد أصبحت غائبة ومهمّشة. وهذا ما شوّه المعنى الحقيقي للرجولة، وخلط بين الذكورة والرجولة، وربط أيضا بين الخصوبة والرجولة. ومن جانب آخر، ظهرت معانٍ اجتماعية ضارة ساعدت بشكل كبير على الإحساس بالعار من مسألة العقم، وهو ظهور "الجنس الثالث". فعندما انتشرت هذه الظاهرة التي جعلت الكثير من الرجال يتحلّون بصفات أنثوية، دفع ذلك بدوره -بعض الناس- للخلط بين هذه الظاهرة البيولوجية للجنس الثالث والعقم. وهذا ما ساعد على ظهور تأويلات فسيولوجية -بحتة- عن معنى الرجولة".

 

يُبيّن الدكتور بوزيداني أن بعض الرجال يلجؤون لطرق غير أخلاقية بهدف الهرب من تُهمة العقم، كتلفيق بعض التقارير الطبية التي تُبرّئهم من هذا العار، وهذا ما يجعل أصابع الاتهام تتحول مُباشرة نحو الزوجة. وأيضا للهرب من المشاعر النفسية التي سبق ذكرها (الغضب، القلق، والشعور بالذنب، وغيرها)، يلجأ الرجل لما يُسمى بوسائل الدفاع النفسية (3) (psychological defense mechanisms)، وهي مجموعة من الحِيَل النفسية إحداها "الإسقاط" (4)(5) (Projection) هي حركة لا شعورية يقوم فيها الشخص بنسب المشكلة أو الشعور السلبي الذي يشعر به إلى شخص آخر، فيُحاول أن يُسقط ما يُعاني منه من مشاعر القلق أو الخوف على شخص آخر، بشكل قد يبدو غير منطقي، إلا أنه يحدث بطريقة لا شعورية في سبيل التخلُّص من العذاب الداخلي.

   

    

يختم الدكتور بوزيداني حواره مع "ميدان" مُوضحا أن كل هذه السلوكيات لا تدل إلا على نمط شخصية ضعيف، لا تتحمل الضغوطات، إلى جانب المنظومة الأخلاقية التي يتحلى بها الفرد، فمن الممكن أن يكون الرجل ذا شخصية ضعيفة، ولكنه مُتخلّق، يرفض أن يُلحق الأذى بشخص آخر. والعكس صحيح، يُمكن أن تجد رجلا بشخصية قوية، ولكن منظومته الأخلاقية مُستعدة لفعل أي شيء في سبيل حمايته. ويرى أن المسألة يُمكن إدارتها بطريقة أكثر نجاعة وأكثر فعالية عن طريق الوسائل التالية:

  

ضرورة التوعية الاجتماعية: وهي مسألة لا يتحمّلها الزوجان، ولكنها مسألة اجتماعية تتحملها منظمات المُجتمع المدني والحكومات، وتتمثّل في توعية الناس بهذه المشكلة ومدى اتساع ضرر أبعادها النفسية على الفرد والمحيطين به بسبب الضغط المجتمعي.

من ناحية الأسرة: ألا تُمارس الضغط على أبنائها، وألا تُحملهم مسؤولية شيء ليسوا سببا فيه، وتحميلهم أيضا مسؤولية تبعات أمر بيولوجي خارج عن إرادتهم أو سيطرتهم.

ما بين الزوج والزوجة: الاتفاق على منظومة قِيَمية أخلاقية، والشعور بالمسؤولية المُتبادلة، مبنية على الصدق، والإيمان بالبُعد الروحي والرباني الخارج عن أي إرادة البشرية.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار